Skip to content
تحليلات سياسية July 29, 2026 19 دقيقة قراءة 58 مشاهدة

لماذا لا تحظى حرب السودان بالاهتمام اللازم؟

تثير حالة الجمود العسكري المتواصل في السودان تساؤلات عديدة حول الغموض الذي يكتنف مسار العمليات التي توقفت عند حدود دارفور؛ إذ يستعصي على المراقبين فهم مسببات غياب التقدم الميداني للجيش في دارفور لإنهاء التمرد، ما ترك الإقليم رهينة لسيطرة قوات الدعم السريع. وإلى جانب توقف العمليات، يبرز تساؤل حول أسباب حصر جهود التسوية في منبر جدة أو مبادرات الرباعية
لماذا لا تحظى حرب السودان بالاهتمام اللازم؟
  • تثير حالة الجمود العسكري المتواصل في السودان تساؤلات عديدة حول الغموض الذي يكتنف مسار العمليات التي توقفت عند حدود دارفور؛ إذ يستعصي على المراقبين فهم مسببات غياب التقدم الميداني للجيش في دارفور لإنهاء التمرد، ما ترك الإقليم رهينة لسيطرة قوات الدعم السريع. وإلى جانب توقف العمليات، يبرز تساؤل حول أسباب حصر جهود التسوية في منبر جدة أو مبادرات الرباعية دون النجاح في إيقاف الحرب، وسط علامات استفهام كبرى حول التراخي الدولي غير المبرر في ممارسة الضغوط الفعلية لإنهاء هذه الحرب.

    للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من معرفة حقيقة واضحة ودامغة وهي أن أمريكا هي التي تتحكم في الأوضاع السياسية والعسكرية في السودان وتمنع غيرها من التدخل في شأنها.

    وهناك كثير من النماذج والأمثلة التي تؤكد ذلك:

    1- فأمريكا هي المحرك الأساس لحرب السودان، فقد قامت الحرب أصلاً بإيعاز أمريكي لإفشال الاتفاق الإطاري الذي كان سيمكن سلطة المدنيين الموالين لبريطانيا وأوروبا المنضوين تحت قوى الحرية والتغيير بقيادة رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك. كما تفرض أمريكا نصوص اتفاقيات محددة دون تغيير (مثلما حدث في محادثات جنيف وسويسرا) وهو دليل على أن أمريكا لا تلعب دور الوسيط النزيه، بل هي التي تطبخ صياغة الحل وتصمم شكل الدولة القادمة عبر فرض شروط تضمن علمانية الدولة، وتمزيق البلاد، وتفكيك الجيش لصالح جيوش جهوية تمهد لتفتيت البلاد.

    2- وقد استغلت أمريكا الحرب لتنفيذ طبخة أمريكية اعتادت عليها، تكرر بها سيناريو تقسيم البلاد بالآليات نفسها التي استخدمتها لفصل الجنوب عبر إثارة النعرات العرقية، لتصنع تمرداً جديدا تمهيدا للانفصال، فقد أصبحت نيالا عاصمة جديدة تحت سيطرة قوات الدعم السريع بعملة منفصلة وإدارة لشؤون دولة كاملة لا تتبع للحكومة في الخرطوم لا يهاجمها أحد ولا يعكر صفو إدارتها أحد لا الجيش ولا الضغط الدولي المزعوم.

    3- تكريس السيناريو الليبي بحكومتين في دارفور وبورتسودان، وقد كرست أمريكا أعمالها للوصول إلى انفصال دارفور عبر إيجاد صورة مطابقة لما يجري في ليبيا بتكريس سلطتين وحكومتين، بعد إعلان حكومة تأسيس في نيالا لتقابل حكومة بورتسودان. والدليل على ذلك أن أمريكا تكتفي بالشجب والإدانة لإطالة أمد الحرب حتى تنضج هذه الطبخة.

    4- احتكار الحل عبر منبر جدة ومنع أي حلول أخرى. فقد أنشأت أمريكا منبر جدة وجعلته المنبر الوحيد للتفاوض لتستفرد بالملف بالكامل وتمنع أي وساطة خارجة عن إرادتها، عبر القوى التابعة لأوروبا خاصة بريطانيا وفرنسا، التي تحاول فتح منابر أخرى لتجد لها موطئ قدم عبر منابر موازية من مثل منبر باريس أو أديس أبابا أو نيروبي، إلا أن أمريكا لا تسمح لها بذلك. فقد انهارت محاولات بريطانيا مراراً وتكرارا لتشكيل منابر أخرى غير منبر جدة، منها محاولتها تشكيل مجموعة اتصال دولية خاصة بالسودان خلال مؤتمر لندن الدولي الذي انعقد يوم 2025/4/15م، ما دفع وزارة خارجية بريطانيا للتعبير عن حزنها علناً لعدم التوصل لاتفاق حول هذا المسار.

    5- تفسير ضعف الاهتمام الدولي بالصراع في السودان: فإن أمريكا تحكم قبضتها على النفوذ السياسي والعسكري في السودان عبر قيادة الصراع بعملائها القادة في الجيش وقوات الدعم السريع.

    وهناك العديد من الشواهد التي تؤكد أن القادة في الجيش وقوات الدعم السريع ينفذون الأجندة الأمريكية بلا تردد، وأكبر أدلة على ذلك:

    1- الانسحابات المتتالية للجيش من كل مدن دارفور وتسليمها لقوات الدعم السريع.

    2- توقف القتال على حدود ولايات دارفور وعدم تقدم قوات الجيش برغم مقدرتها على حسم الصراع إلا أن قادة الجيش الكبار الموالين لأمريكا هم الذين يوقفون قوات الجيش من التقدم حتى اشتهرت بين جنود الجيش عند اللقاء مع القادة الكبار بـ(فك اللجام يا سعادتك) بمعنى أنهم يتشوقون للنصر والقتال إلا أن (سعادتك) وهو القائد الكبير لم يفك لهم اللجام، أي لم يعطهم التعليمات للهجوم وكسر شوكة التمرد.

    3- خارطة الطريق التي قدمتها الحكومة السودانية للانسحاب من مدن دارفور بحجة تحقيق السلام والاستقرار في البلاد بتاريخ 2025/3/10م.

    فقد نشرت مواقع إخبارية عدة منها إندبندنت عربية بتاريخ 2025/4/3م وثيقة قدمها مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس، لأمينها العام أنطونيو غوتيريش في 10 آذار/مارس الماضي، تتضمن خارطة طريق لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد، جاء فيها: (يكون هناك وقفٌ لإطلاق النار، لكن يجب أن يتخلله الانسحاب الكامل من ولاية الخرطوم وكردفان ومحيط الفاشر والتجمع في ولايات دارفور التي يمكن أن تقبل بوجود المليشيا في مدة أقصاها 10 أيام.. تكون بداية عودة النازحين ودخول المساعدات الإنسانية في مدة أقصاها ثلاثة أشهر، فضلاً عن ضرورة استعادة الحياة ودولاب العمل في مؤسسات الدولة المختلفة مع صيانة البنى التحتية الضرورية مثل المياه والكهرباء والطرق والصحة والتعليم، على ألّا تزيد مدة تنفيذ هذا الأمر على ستة أشهر.. بعد إكمال الأشهر التسعة يمكن الدخول في نقاش وتفاوض مع الجهة الراعية حول مستقبل المليشيا المتمردة، وتشكيل حكومة من المستقلين تشرف على فترة انتقالية تُدار فيها الدولة بعد الحرب، وإدارة حوار سوداني - سوداني شامل داخل السودان ترعاه الأمم المتحدة ولا يستثني أحداً، يقرر خلاله السودانيون مستقبل بلادهم). وهذا بالضبط الذي يحدث الآن.

    إن الحل لمشاكل السودان بل وكل بلاد العالم لن يكون بحلول ومعالجات مسمومة تقدمها الدول الاستعمارية أو التابعة لها لتحقيق أجندتها، وإنما يجب أن ينبع الحل من عقيدة الإسلام العظيم، الذي أمر برد كل الأمور إلى نصوص الوحي الإلهي، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. والرد إلى الله تعالى ورسوله ﷺ يوجب إقامة الحكم والسياسة والسلطان وكل مناحي الحياة على أساس الإسلام، ولا يكون ذلك إلا بإقامة دولة الإسلام؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي يأثم من لم يعمل لإقامتها، يقول النبي ﷺ: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» أخرجه مسلم.

*مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان

الأستاذ محمد جامع (أبو أيمن)

شارك المقال: